هذا الصيف، أنا مستغرقٌ تماماً في عالمين؛ أنا مشجعٌ مخلص للمنتخب الإسباني في كأس العالم، ومحاصرٌ أيضاً في قراءة سيرة «سكيبيو الإفريقي»، رجل الدولة العظيم الذي أحرج حنبعل برقة.
وأنا أتنقل بين هذين العالمين، أدركتُ أن الرياضة التنافسية تشبع نفس الرغبات التي تشبعها الحرب.
توضيح لا بد منه: من اللازم أن أوضح أنني لستُ سادجاً ولا غِراً، وعنوان هذه المقالة هو بوضوح نوع من الاستفزاز. بالطبع لا أعتقد أن كأس العالم أو الألعاب الأولمبية ستجلب لنا السلام، ولكنني أظن أن الشعور بالفوز على منتخب بلد آخر يحرك ويشبع نفس الدوافع التي تحركها الحروب، ولكن دون ضحايا، ودون قتلى، ودون بكاء، ودون أجيال ضائعة.
كما قلت من قبل، هذا النص الصغير ليس تأملاً ساذجاً من مشجع كرة قدم —على الرغم من أنني مغرمٌ بكرة القدم— بل هو دفاع عن الرياضة بوصفها «تكنولوجيا خيال عسكري».
فإذا كان العداء واقتتال الإخوة محفورين في حمضنا النووي، فإن المنافسة الرياضية تستبدل بنادقنا بالكرات، والحروب العالمية بكؤوس العالم، والحروب الأهلية بمباريات الديربي.
إنني أنظر إلى المدرجات فأرى وجوهاً تكاد تنفجر من الغضب الشريف، وعيوناً تلمع بنار لا تختلف عن تلك التي كانت تشتعل في نفوس جنود قرطاجة أو فيالق روما. في تلك اللحظات، حين يصرخ الآلاف بصوت واحد خلف شباك المرمى، لا يعود المرء مجرد متفرج؛ إنه يخلع رداء مدنيته الهشة ليعود إلى قبيلته الأولى، مستحضراً كل شهوة الانتصار والسيادة. الرياضة هنا ليست مجرد تسلية، بل هي «مسرح بديل» لغرائزنا البدائية، حيث نطلق سراح الوحش الكامن في أعماقنا، ولكننا نقيده بقوانين اللعبة، وندعه يركض خلف حلم مستدير بدلاً من أن يركض خلف جثث الأعداء.
هذا الكائن الدائري الصغير، الذي نطلق عليه اسم الكرة، هو في الحقيقة أروع اختراع توصلت إليه البشرية لتفادي فنائها. إنه الكوكب الوحيد الذي نسمح فيه لأنفسنا بأن نغزو الآخرين وأن نُغزى، دون أن نترك وراءنا أرملة تبكي أو طفلاً يبحث عن أبيه بين الأنقاض. هنا، على هذا العشب الأخضر، يتحول الموت إلى فكرة مجازية تُسمى «الهزيمة»، وتتحول الحياة إلى لحظة ممتدة تُدعى «الهدف». إنها الحرب في أبهى صورها: حرب بلا دماء، تترك المهزوم حياً ليعيد الكرة في الأسبوع المقبل، وتمنح المنتصر مجداً مؤقتاً يدفعه للعودة مجدداً إلى ساحة الوغى السلمية.


