لقد تعلمت الصمت من الثرثار ، والتساهل من المتعصِّب ، واللطف من الغليظ، والأغرب من كل هذا أنني لاأعترف بجميل هؤلاء المعلِّمين.
—جبران خليل جبران—
أعمل في متحف ببنما استعد للامتحانات التوظيف لهيئة المترجمين التراجم1وقبل بضعة أيام, وصلت في اخر الوقت أم حاضنة إسبانية ومعها طفل في العاشرة من عمره وسرعان ما لاحظت أنه لا يتكلم الإسبانية. وبما أنه من المعتاد في إسبانيا استضافة أطفال صحراويين من مخيمات تندوف في الصيف، بفضل برنامج "عطلات في سلام"، فقد بادرت سريعًا بالحديث معه باللغة العربية. استخدمت كل ما أعرفه من كلمات الحسانية لكي يفهمني جيدًا، رغم أنني كنت أستخدم قواعد العربية الفصحى بالطبع، لأنها هي التي أتقنها.
كان الطفل، الذي أخبرني باسمه سريعًا: "خالد"، خجولًا جدًا في البداية، ولكنه سرعان ما انسجم معي وبدأ يكتسب الثقة تدريجيًا. أخبرته أن أستاذتي الجامعية صحراوية أيضًا، وأنها بفضل برنامج الاستضافة نفسه الذي يشارك فيه الآن، تعلمت الإسبانية وأصبحت أستاذة جامعية هنا في إسبانيا. ومع هذه المعلومة الأخيرة، اطمأن خالد تمامًا وبدأ يحدثني عن الأيام الأربعة عشر التي قضاها في إسبانيا، وعن أبطاله الخارقين المفضّلين، وطرح عليّ الكثير والكثير من الأسئلة حول كل شيء.
قضينا نحو ساعة كاملة في الحديث بينما كانت أمه تتجول في المتحف، إذ لم يكن هناك زوار آخرون ولم تكن لدي أعمال لأقوم بها. لا أعلم ما إذا كان قد استمتع، أو ما إذا كان سينصت إلى نصيحتي ويبذل جهده لتعلم الإسبانية لكي يستطيع الدراسة هنا عندما يكبر. لكنني عدت إلى البيت في غاية السعادة، وأنا أشعر أن ساعة واحدة فقط كانت كفيلة بأن تمنح معنى لكل يوم ولكل صفحة لغة عربية حرصت على تعلمها خلال السنوات الخمس الماضية.
عادةً ما يمنح اللطف، كما حكيت في هذه القصة القصيرة، من يمارسه أكثر مما يمنح من يتلقاه. ولا يتطلب الأمر بالضرورة التحدث بلغة أجنبية؛ فابتسامة تعاطف، أو إمساك باب لآخر، أو مساعدة امرأة مسنة على تجاوز عتبة باب قديم مرتفعة، كل هذه الأفعال هي ما يغير الجو العام. يشتكي الكثيرون من المرارة التي تحرق القلوب في هذه الأوقات، لكن التغيير يبدأ منا. لنوجّه قلوبنا نحو الآخرين، وسنتلقى أعظم الكنوز التي تخفى على أشد الطموحات دنيوية
«كُنْ جَمِيلًا تَرَ الوُجُودَ جَمِيلَا»
—إيليا أبو ماضي—
وكخاتمة لهذه المقالة القصيرة، التي هي أقرب إلى طرس، أود أن أحكي أسطورة صغيرة رواها لي أستاذ اللغة العربية الكلاسيكية في الجامعة.
تقول القصة، أو ما أذكره منها:
كان هناك أعرابي في الصحراء يمتلك أفضل حصان في بلاد العرب كلها، حصان كان الخليفة نفسه يرغب في اقتنائه. وفي يوم من الأيام، أرسل الخليفة مبعوثًا لشرائه منه، وعندما وصل المبعوث إلى خيمة الأعرابي، حظي باستقبال حافل ومأدبة من اللحم اللذيذ الذي أدهشه، رغم أنه لم يفصح بعد عن هويته ولا عن غرضه من الزيارة. لكن من عادة أهل الصحراء إطعام الضيف وإكرامه حتى لو كان عدوًا، لأن العون في الصحراء قد يكون الفارق بين الحياة والموت. نام المبعوث دون أن يكشف عن هويته، وفي اليوم التالي قال أخيرًا للأعرابي: "أنا مبعوث الخليفة، وجئت لأن من المعروف في مملكة العرب كلها أن حصانك هو أفضل خيل عصرنا، والخليفة مستعد لتقديم أموال طائلة وكنوز من الذهب مقابل الحصول عليه". وما إن سمع الأعرابي هذه الكلمات حتى بدأ بالبكاء. كان يبكي ويستمر في البكاء، حتى اختلطت دموعه بالرمال وشكلت طينًا سميكًا. لم يكن يبكي لفقدان الحصان، ولا لأنه كان ممتلكه الوحيد، بل كان يبكي لأنه ذبحه ليطعم ذلك الزائر.
ترجمان ج. تراجم = مترجم فوري



