في طفولتي، كانت خالتي هي الشخص المفضل لدي. كانت تعيش بعيدًا عن قريتي، وعندما تأتي كانت تلعب معي دائمًا لساعات، وتجيب عن كل الأسئلة التي أطرحها عليها: من أين يأتي البن؟ كيف خُرِعت البيتزا؟ وما هي الأزمة الاقتصادية؟ بالإضافة إلى ذلك، كانت تحضر لي دائمًا أزياءً تنكرية، والأهم من ذلك أنها كانت تستيقظ في السادسة صباحًا في يوم أسبوعها المخصص للراحة لكي تشغّل لي التلفزيون حتى أتمكن من مشاهدة "حفل الأوركسترا الوطنية" وبرنامج "إل كونسيرتاثو" (وهو برنامج من إخراج وتقديم فيرناندو أرخينتا، وكان هدفه الرئيسي تقريب الموسيقى الكلاسيكية للأطفال والشباب)
كان من أوَّل أمره طُلعَةً لا يحفل بما يَلقى من الأمر في سبيل أن يستكشف ما لا يعلم (…)
الأيام ─ طه حسين
أتذكر بمشاعر دافئة جداً صبيحات أيام الأحد تلك وأنا أشاهد برنامج “إل كونسيرتاثو” في غرفة معيشة جَدّيَّ؛ كنت أرجو أمي أن تأخذني لأكون ضمن الجمهور، وأتخيل أنهم يختارونني لقيادة الأوركسترا. وحتى في طريقنا إلى الكنيسة، كنت أواصل الإلحاح على جدتي بهذه الفكرة.
لا أريد أن أوحي بهذا أن الموسيقى كانت هي كل حياتي، أو أنني نشأت في بيئة مثالية تشجع على ذلك. كانت الموسيقى بالنسبة لي مجرد اهتمام آخر من بين اهتمامات كثيرة كانت لدي كطفل، والتي شملت أموراً متفرقة ومتنوعة مثل عزف الكمان، ممارسة الفنون القتالية، أو أن أكون ساحراً (ليس مجرد خافِ يد، بل ساحراً مثل ميرلين) أو لاعباً رياضياً. وصحيح أن المرء يرغب دائماً فيما لا يملكه، ولأن موضوع الفنون القتالية قد نجح ومضى قُدماً، فقد قضيت مرحلة ما قبل المراهقة بأكملها وأنا أطلب كماناً كهدية لمناسبة المناولة الأولى.
لم يصل الكمان أبداً، وهو أمر أستحق عليه الشكر لأنني لست الشخص الأكثر براعة في عزف الآلات الموسيقية، ولكن تلك... قصة أخرى. ما أريد إيصاله من خلال هذا هو أن الموسيقى التي يسمونها كلاسيكية كانت دائماً مجرد نوع آخر من الموسيقى في حياتي، مجردة من شعور العصمة والتعالي الذي حاول العديد من النخبة المبتذلين إضفاءه عليها.
مؤخراً وصلتُ إلى العمل ونافاذات السيارة مفتوحة، وكنت أستمع إلى الإذاعة RNE الكلاسيكية لأن القنوات الأخرى في الصيف تصبح لا تطاق. وعند سماعها للراديو، علقت إحدى زميلاتي بأنها تود معرفة المزيد عن الموسيقى الكلاسيكية. وأعتقد أن هذه هي المشكلة تحديداً؛ فأنا أفهم أن الموسيقى الكلاسيكية أكاديمية بالتعريف، لكن ليس من الضروري دراستها للاستمتاع بها، بل إن الأمر ببساطة هو أنه لا أحد يقدم لنا المؤلفين حتى نتمكن من الاستماع إليهم بمفردنا. ليس هناك حاجة للتمييز بين السيمفونية والكونشرتو؛ فهذا أمر يأتي مع الوقت.
انطلاقاً من هذا، أردتُ إنشاء قائمة تشغيل تضم مقطوعات تُبهج يومي، وتجعلني أقبض قبضة يدي وأضغط على فكّي من شدة الطاقة التي أشعر بها عند سماعها. وذلك لكي يبدأ أي شخص يرغب في “الدخول” إلى هذا العالم بحماس ونشوة، ودون ألم، ودون الحاجة إلى الاستماع إلى الأجزاء الأربعة لسيمفونية بالترتيب، لأن ذلك سيأتي لاحقاً. فضلاً عن أنه في عالم مليء بصفوف الانتظار الافتراضية والتذاكر الباهظة الثمن لسماع “باد بوني”، فإن الاشتراك السنوي في “المسرح الملكي” أصبح أرخص من أي وقت مضى.
ملاحظة: لا أريد إنهاء المقال دون أن أوصيكم ببرامج التوعية والتثقيف الموسيقي على إذاعة RNE الكلاسيكية؛ فهي منجم حقيقي للمعرفة أتمنى لو تحظى بانتشار وتقدير أكبر.
إن الأشياء التي لا تعرفونها هي التي ستغير حياتكم.
ولف ڤوستيل




